الحلبي
228
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
على باب تلك العلية ، فاستأذنوا فخرجت إليهم امرأته ، فقالت : من أنتم ؟ قالوا : ناس من العرب نلتمس الميرة . وفي لفظ : لما صعدوا قدموا عبد اللّه بن عتيك لأنه كان يتكلم بلسان يهود ، فاستفتح وقال : جئت أبا رافع بهدية ، ففتحت له امرأته وقالت : ذاكم صاحبكم فأدخلوا عليه ، فلما دخلوا عليه أغلقوا عليهم وعليها باب الحجرة ووجدوه وهو على فراشه ، ما دلهم عليه في الظلمة إلا بياضه كأنه قبطية بيضاء فابتدروه بأسيافهم ، ووضع عبد اللّه بن أنيس رضي اللّه عنه سيفه في بطنه وتحامل عليه حتى أنفذه وهو يقول قطني قطني : أي يكفيني يكفيني ، وعند ذلك صاحت المرأة . قال بعضهم : ولما صاحت المرأة جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يتذكر نهي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيكف يده . قال : وفي رواية أن المرأة لما رأت السلاح أرادت أن تصيح ، فأشار إليها بعضنا بالسيف فسكتت ، فابتدرناه بأسيافنا وخرجنا من عنده ، وكان عبد اللّه بن عتيك رجلا سيئ البصر فوقع من الدرجة فوثبت رجله وثبا شديدا ، أي جرحت جرحا شديدا . وفي لفظ : قد انكسرت ساقه . وفي آخر فانخلعت رجله فعصبها بعمامته ، والجمع بين كسر ساقه وخلع رجله واضح ، لأن الانخلاع يكون من المفصل ، فقد انكسرت ساقه وانخلعت من مفصلها ، ومع الكسر والانخلاع حصلت فيها جراحة أيضا . وأما قول ابن إسحاق رحمه اللّه فوثبت يده فقيل وهم والصواب رجله كما تقدم . وفي السيرة الهشامية . فوثبت يده ، وقيل رجله . وقد يقال : لا مانع من حصولهما ، قال : فحملناه حتى أتينا محلا استخفينا فيه : أي وذلك المحل من أفنيتهم التي يلقون فيها كناستهم . وفي لفظ : أنهم كمنوا في نهر من عيونهم حتى سكن الطلب . وقد يقال : لا مخالفة ، لأنهم أوقدوا النيران ، وتفرقوا من كل وجه يطلبونهم أي وفي لفظ : فخرج الحارث في ثلاثة آلاف في آثارهم يطلبونهم بالنيران حتى إذا أيسوا رجعوا إلى عدوّ اللّه ، فاكتنفوه وهو بينهم يجود بنفسه ، فقال بعضنا لبعض : كيف نعلم أن عدوّ اللّه مات ؟ فقال رجل منهم : أنا ذاهب فأنظر لكم ، فانطلق حتى دخل في الناس قال : فوجدت امرأته تنظر في وجهه وفي يدها المصباح ، ورجال يهود حوله وهي تحدثهم وتقول : أما واللّه لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي . أي وعلى الرواية الآتية أنه أكذبها ، ثم أقبلت تنظر في وجهه ، ثم قالت فاضت وإله يهود : أي خرجت روحه ، فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسي منها ، ثم جئت وأخبرت أصحابي ، واحتملنا عبد اللّه بن عتيك ، وقدمنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .